أنت تعيش لمرة واحدة فقط
بدأت في مسيرة طموحاتي منذ صغري، وكان ذلك بعد سلسلة من الإحباطات المتكررة التي تعرضت لها بسبب ظروف لا إرادية تعرضت لها أثناء طفولتي والتي حالت دون السماح لي بقضاء بعض الأوقات كما يقضيها الأطفال الآخرون، لا أعرف الحكمة من ذلك، ربما سيكون ذلك سبباً للفخر بهذه التجربة مستقبلاً. فبالرغم من تلك الظروف فقد تمكنت بفضل الله من تحقيق إنجازاتٍ طيبة نحو النجاح.
بقلم: معاذ مدموج
تحرير: دائرة العلاقات العامة
كنت من المتفوقين في صفي المدرسي، كنت أمثل نموذج الطالب الهادئ الذي يتلذذ المعلم وهو يضرب المثل به، حاولت دوما الحفاظ على تلك الصورة التي كانت تجعلني اشعر بالرضى عن النفس، سرت على ذلك المنوال حتى المرحلة الإعدادية، قضيت السنوات التسع الاولى من رحلتي الدراسية في مدارس الوكالة والتي تشكل تجربة أفخر بها، فأنا نصف لاجئٍ من ناحية والدتي التي تعمل معلمةً في مدارس اللاجئين الفلسطينين، فمن خلال تلك المرحلة المتميزة في حياتي تعرفت على أصدقاء اعتز بمعرفتهم من أبناء المخيمات الفلسطينية، وعلى الرغم من أنني اقطن في المدينة الا أنني أصبحت معتزاً بذلك الدم الذي يجري في عروقي، انه دمٌ مهجر من مدينة يافا أرض البرتقال الحزين، وكثير ما أعرف نفسي بإنني نصف لاجئ ونصف ابن مدينة وبذلك أتخلص من بعض المفاهيم التي غاص بها الكثيرون في التفريق بين إبن المدينة وابن المخيم.
كنت خلال فترة طفولتي ملازما للمنزل متطلعاً بشكل كبير على الأخبار السياسية، فكنت لا أترك قنوات الأخبار. كنت على إطلاع دائم منذ طفولتي على ما يجري في فلسطين والوطن العربي منذ بداية ما يسمى بالربيع العربي وايضاً الأحداث التي كانت تحدث في جميع أرجاء العالم، فأصبح عقلي يزخر بالتواريخ والأسماء المتعلقة بالامور التي أشاهدها والاحداث الي كانت تحدث في العالم، وهذا ما شجعني للتقدم لمخيم دولي يُعقد في الولايات المتحدة الامريكية والذي يضم اكثر من عشرة دول، وبعد تخطي مرحلة فحص الطلبات الصعبة نجحت بالوصول للمقابلة الشخصية الي دامت لأكثر من ساعة حاولت خلالها أن أبرز كل ما أملك من قدرات ومهارات، وبعد المقابلة بفترة طويلة نسبيا تلقيت اتصالاً مفاده انه تم اختياري لأكون ضمن الوفد الذي سيمثل فلسطين، شعرت برعشة في كامل جسدي ولم استطع أن أنطق بأي كلمة فقد كان السفر للولايات المتحدة الامريكية بالنسبة لي مجرد حلم، وها قد اصبح الحلم حقيقة.
كان عمري حينها ١٦ سنة، وبدأت بإعداد نفسي لهذه المرحلة الهامة في حياتي والتي ساعدتني بصقل شخصيتي وزيادة نطاق المعارف في سجل حياتي، تم الانطلاق يوم ٣٠-٧-٢٠١٤ عبر الجسر، حيث ظننت أن حلمي أُعيق في ذلك المكان عندما أوقفني جنود الاحتلال هناك للسؤال عن والدي الذي يرفوضونه أمنيا، او كما نطلق عليه باللغة العامية "عليه نقطة" ولكن بعد طول انتظار تمكنت من المرور حاملا في ذاكرتي موقفا يصعب نسيانه.
بعد وصولي الى مطار بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بالتعرف على ثقافة رائعة، تختلف عن البيئة التي قدمت منها، رأيت حرية كنت محروماً منها كحرية التنقل. تذكرت أبسط الحريات المسلوبة منا كفلسطينين، فحتى ننتقل من مدينة لأخرى لا بد لنا من المرور عبر نقطة تفتيش عسكرية تسلبنا كرامتنا، وبعد شهر من التواصل مع ثقافات مختلفة والتعرف على افكار جديدة وخوض تجارب لم اخضها من قبل، تشكلت لدي تصورات مغايرة لتلك التي كانت لدي عن الحياة والمستقبل، عدت للوطن عبر نفس نقطة التفتيش ومنذ ذلك الوقت إتخدت قراراً بعدم ترك هذا البلد مرة أخرى إلا لإكمال دراستي فقط أو لقضاء الأمور التي هي في مصلحة بلدي، فقد زاد يقيني بأنه لا بد من تغيير الواقع هنا كي ننقذ أهلنا منه، فكل شخص يحلم بأن يعيش أبناؤه بشكل أفضل منه كما فعل آباؤنا معنا.
بعد عودتي من الولايات المتحدة أهملت دراستي بشكل كبير لأنني أردت أن أنمي ثقافتي فكنت أحاول أن اقرأ الكثير من الكتب وان أتطوع في المؤسسات المحلية لخدمة وطني مما أثر سلباً على تحصيلي الدراسي في الصف الاول الثانوي لدرجة انني رسبت في مادتين ما دفع بعض أفراد العائلة لأن يفقدوا الأمل مني وكان ردي الوحيد بأنني سوف أسيطر على الأمور عندما أصل للثانوية العامة.
مرت الأيام ودخلت في معترك الثانوية العامة الذي يعتبره الكثيرون من أبناء المجتمع الفلسطيني نقطة فارقة في حياة أي شخص نحو النجاح او الفشل، ولا يمكنني ان أنكر انني بذلت جهداً لا بأس به دون أن أشعر من هم حولي من عائلة وأصدقاء بذلك فكنت دائم التواجد على مواقع التواصل الاجتماعي بكافة أنواعها، وكنت دائم التسكع مع أصدقائي مما منع الآخرين من أن يضعوا الامال علي، وعندما ظهرت نتائج الثانوية العامة حصلت على معدل هو ٥٦، شكلٓ هذا المعدل صدمة كبيرة لي ولأفراد عائلتي كافة، وإنهمر الجميع بالبكاء، فقد توقع الجميع لي معدلاً أفضل من ذلك على الرغم من انهم لم يعلقوا الامال علي ولكن لم تكن هذه النتيجة التي كانوا يرجونها.
لحسن الحظ كان هناك خطأ في قراءة رقم التسجيل والذي كان لقوائم العام الماضي. وظهرت النتيجة الصحيحة وهي ٩٧.٤، وهنا كانت الصدمة عندما أظهرت لعائلتي ورقة كنت قد وضعت عليها نفس النتيجة منذ أكثر من سنة، نعم كانت هذه هي النتيجة التي توقعتها لنفسي قبل سنة من ظهور النتيجة، ولا أنكر هنا فضل معلمينٓ أعزاء لهم الفضل الأكبر في ذلك، فقد أعفاني التأسيس الجيد الذي حصلت عليه في صغري بالاضافة للاهتمام والرعاية الفائقة في الثانوية العامة من الحصول على أي درس خصوصي، فهذا كله يعود لمعلم كان يقدم لي كل ما يملك من معلومات، دون ان يبخل علي بشيء.
بدأت رحلة اختيار التخصص الذي سأكمل فيه تحقيق الطموح الذي أراه في مخيلتي، وهو أن أكون أحد الأشخاص المؤثرين في بلدي والذي يملك دوراً فاعلا في صنع القرار بالاضافة لإفادة الآخرين وكان الاختيار يدور بين القانون والعلوم السياسية، ثم أنزلت مرساتي في تخصص القانون، والذي تمكنت فيه في فصلي الدراسي الاول من الحصول على معدل تراكمي ممتاز وهو ٣.٨/٤ ويبدو حتى الان أن هذا هو أفضل خيار اتخذته في حياتي نظراً للخيارات الواسعة التي يقدمها القانون، والذي فيه إمكانية عالية لإكمال دراستي العليا في مجال يستفيد منه وطني بالشكل الذي يسهم ببنائه وتحسين اوضاع الفلسطينين فيه، فأنا أسعى لإستئصال معاناة شعبي داخل حدود فلسطين وخارجها، وأن دراسة القانون ليست محصورة بالمحاماة والقضاء كما يرى البعض فهو يمتلك مجالاً واسعاً، فأنا أخطط لأن اكمل دراستي العليا في القانون البيئي او القانون الدولي.
كنت أسمع الشائعات بأن الجميع يرسب في أغلب المساقات، وكما نعرف فأن الشائعات تنتشر إنتشار النار في الهشيم، وأن الفاشل يسعى لتبرير فشله بأن يلقيه على الأخرين، وقد نالت مني الشائعات في البداية ولكن أنا الآن متاكد أن التحاقي بكلية القانون في جامعة النجاح، هو من القرارات التي افتخر بها، وهنا لا بد لي أن أكون منصفاً بأن أذكر أن هناك عثرات هنا او هناك ولكن الجيد بالأمر أنه من الممكن تجاوزها، فأنا كطالب قد تعرضت لبعض العقبات ولكنها تبقى مجرد عقبة من الممكن القفز عنها وتجاوزها.
على الرغم من كل الذي ذكرته فأنا أرى ان الحياة لم تبدأ بعد بالنسبة لي فأنا لم احقق أحلامي وطموحاتي الكبيرة ولو حتى بجزئية معينة فكل ما ذكرته يخدم هدفا وطموحا معينا لم أصل اليه بعد، فأنا أقرا الكتب وأحضر الندوات وأشاهد الأفلام الوثائقية بالاضافة للمشاركة بالأنشطة المتنوعة تجهيزاً لنفسي لهذا الهدف الذي أسعى للوصول اليه في يوم من الأيام.
أنت تعيش لمرة واحدة فقط، ولكن إن عشتها بالطريقة الصحيحة، فمرة واحدة تكفيك. إن الحياة ليست الا مكاناً نمضي فيه أوقاتاً تمر علينا كالدقائق بل كالثواني، فكثيراً ما يجلس الفرد منا ليسترجع ذكريات حدثت معه منذ سنوات طويلة وكأنها حدثت بالأمس، سواء كانت ذكريات تحمل في طياتها ألماً أو إنجازاً نفخر به أو ندماً على وقت ضاع دون استثمار كل لحظة في عمل مفيد.