جامعة النجاح الوطنية
An-Najah National University

You are here


أنا الطالب صالح أحمد عمر البنّا، أدرس تخصص الإذاعة والتلفزيون في جامعة النجاح الوطنية. وبصراحة، لا أريد أن أبدو مثالياً وأقول إنني دخلت هذا التخصص بدافع الشغف؛ كنت كحال كثير من الطلاب، دخلته وأنا في طريق لا أستطيع رؤيته. وخلال سنوات الدراسة واجهت تحديات وإخفاقات، لكنني كنت أنهض بعد كل إخفاق بتوفيق الله، وهذه الإخفاقات هي التي تصقل الإنسان كما يُصقل الحديد.


اخترت مجال الدعاية والإعلان لأنه يتقاطع مع تخصصي، أو بالأحرى لأن الإعلام قيمة مضافة لهذا المجال. وما كنت أريده من التدريب هو أن أتعرّف على سوق العمل عن قرب، وأن أفهم كيف تُدار الشركة والعمل الإبداعي من الداخل، وكنت أطمع في أي معلومة أضيفها إلى حصيلتي المعرفية. وقد وصلت إلى MAD TOMATO AGENCY عن طريق معرفة شخصية، فأنا من سعى إليها، ثم قدّمت اقتراحي إلى مركز التدريب العملي في الجامعة وتمت الموافقة عليه.

الأسبوع الأول… خارج منطقة الراحة

كان أول ما شعرت به هو الخروج من منطقة الراحة؛ فأنا لم أكن أمثّل نفسي فقط، بل كنت أعلم أن الانطباع الذي سأتركه لدى من حولي سيكون انطباعاً عن جامعتي كاملة، وهذا وحده كان تحدياً كبيراً بالنسبة لي. خصّص لي المشرف الميداني الأستاذ حسام عمر البنّا، المدير التنفيذي لقسم الكرييتيف، وقتاً في اليوم الأول للتعرّف على الشركة وطاقم العمل، ثم رافقني في جولة تعريفية شملت قسم الإنتاج والمونتاج والاستوديو الرئيسي. وعلى مدار الأسبوع تعرّفت على أعضاء الفريق من مخرجين ومساعدي إنتاج ومديري تصوير ومونتيرين، وحضرت اجتماعاً داخلياً لأحد المشاريع الإعلانية خُصّص لمراجعة السكربت وترتيب اللقطات، وتعرّفت على معدات الاستوديو وأنظمة الإضاءة والصوت وطريقة تنظيم ملفات المشاريع. وما زاد حماسي أنني وجدت كثيراً من المعلومات التي أخذتها في المحاضرات حاضرة فعلياً في سوق العمل، فأدركت أن ما درسته لم يكن بعيداً عن الواقع، وأن الفارق كان في التطبيق لا في المعرفة.

مشروع وزارة الطاقة… من غرفة الاجتماعات إلى الميدان

في MAD TOMATO AGENCY يقع على الوكالة الجزء الإبداعي ومرحلة الإعداد، بينما تتولى شركة الإنتاج التابعة لها مرحلة التنفيذ. وقد لمس فريق العمل مني حس المسؤولية والحماس، فعرضوا عليّ الانضمام إليهم في قسم الإنتاج (Producer) ضمن مشروع ضخم لصالح وزارة الطاقة السعودية، وأُسندت لي مسؤولية الممثلين ولوجستيات الفريق. بدأ العمل باجتماعات تحضيرية مع المخرج ومنتج المشروع لاستعراض السيناريو وتحديد المشاهد ومواقع التصوير، ثم تولّيت التنسيق المباشر مع الممثلين وجدولة مواعيدهم، وترتيب الحجوزات كاملة من تذاكر الطيران إلى الفنادق، وإعداد قوائم احتياجات الفريق أثناء السفر. شعرت حينها بمسؤولية ثقيلة زادت من جدّيتي، لأنني استلمت مهام لا تُعطى عادةً لمتدرب، وأدركت أن أي تقصير في حجز أو جدول قد يُعطّل يوم عمل كامل أمام عميل بحجم وزارة.

ثم جاء التصوير الفعلي وامتد على ثلاث مدن متباعدة: بدأنا في سكاكا بمنطقة الجوف، ثم انتقلنا إلى جدة، وأنهينا الجدول في الرياض. تولّيت الإشراف اليومي على الممثلين من الاستيقاظ إلى الوصول للموقع وتجهيزهم قبل المشاهد، وخُصّصت لي سيارة طوال فترة السفر لإدارة المهام اللوجستية بشكل مستقل، وهي مسؤولية شعرت بثقلها لأنها تتطلب اعتماد الشركة الكامل عليّ. وفي كل مدينة كان لا بد من تنسيق دوري لتحرّك الفريق والتأكد من وصول كل شخص في وقته، مع ما فرضته كل بيئة من تحديات جديدة وتصاريح لازمة.

محطة الخبر… أن تُعِدّ لا أن تنفّذ فقط

انتقلت الوكالة بعدها إلى مشروع جديد في مدينة الخبر لصالح عيادة أسنان، وعملت فيه بصفتي متدرّب إنتاج محتوى وتسويق إبداعي. وهنا اختلف دوري تماماً؛ فقد كنت أنا من يُعدّ لا من ينفّذ، وهو عمل يتطلّب قدراً كبيراً من الفهم والتركيز والوقت. تبدأ الحكاية بأن تفهم المشكلة الحقيقية لدى العميل وأن تعرف كل شيء عنه لتعرف كيف تصوغ الرسالة وإلى مَن توجّه الإعلان، وهنا استفدت كثيراً مما درسته في مسألة الجمهور المستهدف؛ فحلّلت السوق وحدّدت الشرائح ذات الأولوية، وبنيت خطة متكاملة تقوم على مبدأ «الشعور قبل المنتج». ثم كتبت سيناريو إعلانياً مع قائمة اللقطات وخرجنا لتنفيذه ميدانياً، وأعددت بعدها دليل إنتاج متكاملاً لبودكاست العيادة بخمس حلقات، وأشرفت على التصوير، ثم قطّعت المادة إلى مقاطع قصيرة جاهزة للنشر. وأودّ أن أذكر أن الخبر من أجمل المدن التي رأيتها.

قسم الكرييتيف… قلب الوكالة

ثم عدت إلى مقر الشركة لأعمل ضمن قسم الكرييتيف، وهو القسم الذي يمثّل قلب الوكالة، وأجمل ما فيه ناسه؛ فريق أكثر من رائع من عدة جنسيات تعلّمت منهم الكثير، وما زلت أحنّ إلى تلك الأيام. عملت معهم على مشاريع لعدد من العلامات، منها البحري، وميدغلف، ومايسترو بيتزا، ودارة الملك عبدالعزيز، والبنك السعودي الأول (SAB).

ما وراء التدريب… السفر والناس

لم تكن التجربة تدريباً فحسب، بل كانت رحلة سفر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وصدق الإمام الشافعي حين قال: «وسافِرْ ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ»، فالسفر تجربة عميقة تُثري الإنسان وتصقله. وأجمل ما في السعودية تنوعها الثقافي؛ فقد كنت داخل الشركة بين عدة جنسيات: سعوديين ومصريين وسودانيين وهنود، وهو ما شكّل مزيجاً سلساً وثرياً تعلّمت منه كيف يعمل الناس معاً باختلاف خلفياتهم. أما السعودية نفسها فأنا أحزن على الصورة النمطية التي في عقولنا عنها؛ هي ليست مجرد بلد، هي أعمق من ذلك بكثير، ففي كل مرة أتمشى فيها في الرياض أو الخبر أُفاجأ بالتطور والحضارة والجمال، وتأتيني الفكرة نفسها: أن هذه الصورة النمطية لدينا تحتاج أن تتغيّر.

كلمة أخيرة

في النهاية، كانت تجربة غنية بكل ما تحمله الكلمة، وأهم ما فيها أن تستمتع بالرحلة نفسها لا بالهدف وحده. وبصراحة لم تكن كل الأيام رائعة؛ كان فيها أيام عادية وأيام متعبة، وهذا في رأيي أهم ما ينبغي أن يُقال، لأن العمل الحقيقي ليس لحظات مبهرة متتالية بل التزام يومي تتعلّم منه أكثر مما تتعلّم من أجمل أيامك.

أتقدّم بالشكر إلى جامعة النجاح الوطنية ومركز التدريب العملي، وإلى الدكتور عماد القاسم على جهوده في دعم الطلبة وتوفير فرص التدريب، وإلى مشرفتي الأكاديمية الأستاذة غدير زكريا زهدي سلمان، وإلى الأستاذ حسام عمر البنّا وكل فريق MAD TOMATO AGENCY على ثقتهم وحسن استقبالهم. وأقول لكل طالب: لا تنتظر أن تشعر بأنك جاهز لتبدأ، ابحث عن فرصتك بنفسك واسعَ إليها، فالباقي يأتي مع أول يوم عمل حقيقي تقف فيه.


© 2026 جامعة النجاح الوطنية