الطالب صالح أحمد عمر البنّا يخوض تجربة تدريبية في العراق
كانت رحلتي التدريبية إلى كلية الطب البيطري في جامعة الأنبار – العراق واحدة من التجارب التي تجاوزت حدود التدريب الأكاديمي، لتصبح تجربة غيّرت الكثير في نظرتي إلى العلم، والمهنة، وإلى نفسي أيضًا انطلقت من فلسطين وأنا أحمل معي ما تعلمته خلال سنوات دراستي في كلية الطب البيطري، لكنني كنت أدرك أن المعرفة الحقيقية لا تُكتسب من الكتب والمحاضرات وحدها؛ فلكل بيئة أسلوبها، ولكل تجربة درسها، ولكل مكان فرصة جديدة لأن نتعلم شيئًا لم نكن نعرفه عن أنفسنا وعن مهنتنا منذ اللحظة الأولى، كان العراق بالنسبة لي أكثر من مجرد وجهة جديدة.
كان بلدًا يحمل في تفاصيله مزيجًا جميلًا من الأصالة والكرم والتاريخ. لفتني دفء الناس وحسن استقبالهم، والتفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية، والاعتزاز الواضح بالتراث والثقافة. كان من الجميل أن أكتشف أن بعض الاختلافات في اللهجة والعادات وطريقة الحياة لا تبعدنا عن بعضنا، بل تجعل تجربة التعرف إلى الآخر أكثر جمالًا وثراءً.
وجودي في الأنبار تحديدًا أعطاني فرصة لأرى جانبًا مختلفًا من العراق؛ طبيعة المكان، وامتداد المناطق الزراعية، وارتباط الإنسان بالحيوان والبيئة، كلها أمور جعلتني أرى الطب البيطري في سياق أوسع من مجرد علاج الحيوان
خلال فترة التدريب في جامعة الأنبار، أتيحت لي فرصة الاقتراب أكثر من الواقع العملي للطب البيطري، والتعرّف إلى طرق مختلفة في التعامل مع الحالات، ومشاهدة بيئة أكاديمية ومهنية مختلفة عمّا اعتدته. لم يكن الهدف أن أتعلم معلومة جديدة فقط، بل أن أتعلم كيف أفكر، وكيف ألاحظ، وكيف أتعامل مع الحالات بثقة ومسؤولية، وكيف أستفيد من اختلاف التجارب بدل أن أراه اختلافًا في المسافات أو الأماكن وكان أجمل ما في التجربة أنني لم أتعلم من الأطباء والمختصين فحسب، بل تعلمت أيضًا من الأشخاص الذين التقيتهم، ومن تفاصيل الحياة اليومية، ومن الاختلاف الثقافي والإنساني بين فلسطين والعراق. اكتشفت أن المسافات بين البلدان قد تكون كبيرة، لكن شغف الإنسان بالعلم، وحبه لمهنته، ورغبته في أن يصنع فرقًا، هي أشياء لا تعرف الحدود هذه الرحلة جعلتني أؤمن أكثر بأن طالب الطب البيطري لا ينبغي أن يكتفي بما تقدمه له قاعة المحاضرة؛ عليه أن يبحث، ويسافر، ويجرب، ويخوض تجارب جديدة، وأن يضع نفسه في بيئات مختلفة تجبره على التفكير بطريقة أوسع. فكل تجربة خارج منطقة الراحة قد تكون خطوة نحو الطبيب الذي نحلم بأن نصبحه.
ولم تكن قيمة الرحلة فيما تعلمته داخل العيادات والمرافق التعليمية فقط، بل في الأثر الذي تركته التجربة في شخصيتي وطموحي. فقد منحتني فرصة لأرى المهنة من زاوية مختلفة، وأتعرف إلى أساليب جديدة في التعلم والعمل، وأفهم أن التطور الحقيقي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنخرج من المألوف ونمنح أنفسنا فرصة لاكتشاف آفاق جديدة.
أدركت أن التدريب الحقيقي لا ينتهي بانتهاء أيامه، لأن أثره يستمر في طريقة تفكيرك، وفي قراراتك، وفي طموحك، وفي قدرتك على رؤية الفرص التي كانت تبدو بعيدة قبل أن تخوض التجربة.
ومن فلسطين إلى العراق، لم تكن المسافة مجرد طريق قطعته، بل كانت رحلة بين مرحلتين من حياتي؛ بدأت فيها طالبًا يبحث عن الخبرة، وخضت خلالها تجربة جعلتني أكثر وعيًا بما أريد، وأكثر إيمانًا بأن الطريق إلى النجاح لا يُقاس بعدد السنوات التي درستها، بل بعدد التجارب التي جعلتك أفضل.
بعض الرحلات لا تغيّر المكان الذي نعيش فيه، بل تغيّر الطريقة التي نرى بها العالم ورحلتي إلى العراق كانت واحدة من تلك الرحلات التي سأحمل أثرها معي طويلًا.