دانية البيشاوي من هندسة الطاقة تحصل على منحة تدريبية متقدمة في المسارعات في باريس ساكلي
فرنسا، كانت مشاركتي في مشروع بيرل في مختبرات IJClab, اورسي، ضمن فريق بيرل-النجاح البحثي تجربة فارقة في مسيرتي الأكاديمية، ليس فقط لما وفرته من خبرة علمية متقدمة، بل لما أحدثته من تحول عميق في طريقة تفكيري ونظرتي لنفسي كباحثة. العمل في بيئة بحثية دولية عالية المستوى وضعني أمام معايير مختلفة تمامًا عمّا اعتدته؛ معايير تقوم على الدقة، والتحليل المنهجي، وتحمل المسؤولية الكاملة عن كل قرار علمي.
انخرطت في تصميم مغانط لمسرّع الجسيمات PERLE، بدءًا من تصميم مغناطيس ثنائي القطب لتوجيه الحزمة داخل خط النقل، حيث قمت بترجمة متطلبات الحزمة إلى مجال مغناطيسي متجانس ومستقر. لم تكن الحسابات النظرية وحدها كافية، بل تطلب الأمر فهمًا عميقًا لتأثير كل تفصيل هندسي على جودة الأداء. تعلمت أن أي اختلاف بسيط في الأبعاد أو توزيع التيار يمكن أن ينعكس مباشرة على استقرار الحزمة، وأن التصميم الناجح هو نتيجة تحليل دقيق وتكرار مستمر ومراجعة نقدية صارمة. لاحقًا، انتقلت إلى نمذجة الأنظمة باستخدام أدوات المحاكاة ثلاثية الأبعاد، حيث تطلب الأمر قراءة خرائط المجال المغناطيسي وتحليلها بعمق، وإجراء تحسينات تدريجية مبنية على تفسير فيزيائي منطقي. كما شاركت في تصميم مغناطيس مدمج يجمع بين التوجيه والتركيز ضمن عنصر واحد، وهو ما وسّع رؤيتي لفهم المسرّع كنظام متكامل مترابط، لا كمكونات منفصلة. كما شاركت في فعاليات ولقاءات علمية مختلفة أتاحت لي توسيع شبكة علاقاتي المهنية وبناء روابط مع باحثين وطلبة من خلفيات متنوعة.
كان لهذا العمل أثر مباشر على تطوير الشخصي؛ فقد عزز استقلاليتي، ورفع مستوى انضباطي الذاتي، وعلّمني إدارة وقتي بكفاءة و ساعدني على تطوير مهاراتي في التواصل العلمي، واحترام تنوع وجهات النظر. أصبحت أكثر قدرة على عرض أفكاري بثقة والدفاع عنها بالحجج العلمية. كما كان لهذه التجربة أثر حاسم على خططي المستقبلية حيث أصبحت فكرة متابعة الدراسات العليا قرارًا واعيًا نابعًا من شغف حقيقي. العمل البحثي العملي، والنقاشات العلمية العميقة، والشعور بالمساهمة في مشروع متقدم، كلها عززت رغبتي في التعمق أكثر في مجال مسرّعات الجسيمات، وتطوير أدواتي البحثية، والمضي قدمًا نحو مسار أكاديمي طويل الأمد.
اشكر جامعتي على توفير مثل هذه الفرص لطلابها من خلال المدرسة الشتوية في فيزياء الطاقة العالية في فلسطين و كذلك فريق بيرل-النجاح الذي يساهم في بناء مسارع فريد من نوعه على مستوى دولي، و الدكتورة هديل أبو الرب التي منحتني ثقة حقيقية مع توفير دعم مستمر وتوجيه دقيق عند الحاجة مما ساعدني على التطور بسرعة، وجعلني أشعر بأنني جزء فعلي من المشروع، لا مجرد طالبة متدربة.
في المجمل، كانت هذه التجربة نقطة تحول حقيقية في حياتي العلمية، عززت طموحي، ورسّخت هويتي كباحثة، ومنحتني رؤية أوضح لمستقبلي الأكاديمي لذا أنصح طلبة جامعتي الراغبين في خوض تجربة التبادل أن يتحلوا بالشجاعة والإصرار، وأن ينظروا إلى التجربة كفرصة لإعادة تشكيل ذواتهم أكاديميًا وشخصيًا. التجربة تتطلب جهدًا حقيقيًا، لكنها في المقابل تمنح نضجًا وثقة بالنفس.