مؤتمر القدس في الضمير العربي والاسلامي الذي عقد في الجامعة يوصي بتشكيل هيئة اسلامية مسيحية للوقوف في وجه محاولات المس بالطابع الديني القائم في مدينة القدس
30 تشرين ثاني 2010
أوصى المشاركون في مؤتمر القدس الحادي عشر الذي عقدته كلية الآداب في جامعة النجاح الوطنية تحت عنوان: "القدس في الضمير العربي والاسلامي" وبرعاية من شركة الاتصالات الفلسطينية الخليوية (جوال) بتشكيل هيئة اسلامية مسيحية للوقوف في وجه محاولات المس بالطابع الديني القائم في مدينة القدس، كما اوصى المشاركون بالتصدي للمحاولات الاسرائيلية بسحب هويات المقدسيين وحرمانهم من ابسط حقوقهم الانسانية، ومخاطبة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي لتخصيص يوم للقدس، كما اوصى المشاركون كذلك بإدانة كل الاجراءات الاحتلالية القمعية بحق المدينة.

وشارك في أعمال المؤتمر نخبة من العلماء والمختصين، وجاء انعقاد المؤتمر هذا العام استمراراً لمؤتمر يوم القدس الذي تعقده الجامعة في كل عام، ويتزامن عقده مع ما تتعرض له مدينة القدس من محاولات طمس معالمها العربية والإسلامية والمسيحية، وفرض سياسة الأمر الواقع عليها.
وقد افتتح المؤتمر أ.د.خليل عودة، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر بكلمة رحب فيها بالحضور والمشاركين في المؤتمر، وأعلن انطلاق أعمال مؤتمر القدس الحادي عشر، تلاه عزف للنشيد الوطني الفلسطيني من جوقة جامعة النجاح الوطنية، ثم تلاوة آيات عطرة من القرآن الكريم.
وبدأت أعمال المؤتمر بكلمة للأستاذ الدكتور رامي الحمد الله رئيس جامعة النجاح الوطنية ألقاها نيابة عنه الدكتور محمد حنون نائب رئيس الجامعة للشؤون المجتمعية حيث رحب فيها بالحضور والمشاركين في المؤتمر الذي يعقد للمرة الحادية عشرة على التوالي في جامعة النجاح الوطنية، وذلك إيمانا من إدارة الجامعة بأهمية مدينة القدس التي تعد مهوى الأفئدة لجميع الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وواسطة العقد بين المدن في هذا العالم، وهي بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى وقفة حقيقية جادة في وجه الظلم حتى تبقى المدينة عربية.

وأضاف د.حنون أن القدس بالنسبة للعربي والمسيحي والمسلم ليست مجرد مساحة من الأرض، أو شاخص من شواخص التاريخ، إنها الضمير العربي الذي يستحضر دائماً خطوات المسيح عليه السلام على ترابها، ويتذكر دائماً مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مسجدها وصخرتها، ويستعيد فتح الخليفة عمر بن الخطاب لها، وتسامحه مع أهلها وسكانها وإنها القدس التي تسكن قلب كل واحد فينا، ولا تغيب عنا، ولا يمكن لنا أن ننساها أو نتناساها، لأنها مهوى الأفئدة، وعشق الروح، وهي التي تتربع على عرش قلوب المؤمنين مسلمين ومسيحيين، وكل ما في المدينة من مساجد وكنائس ومدارس وتكايا وزوايا وأسبلة يذكرنا بالأصول العربية التي عمرت هذه المدينة منذ آلاف السنين، وما زالت رائحتهم العربية وأنفاسهم الشرقية تنبعث بين نداءات المدائن، وأجراس الكنائس، ومواكب المريدين من الصوفيين، والأصفياء والأتقياء، وما زالت أصواتهم العربية تتردد في شوارعها وأزقتها الضيقة، ليتذكر العالم كله بأن الحصان العربي الذي كبا لم ولن يموت، وأن القدس لم ولن تكون الأندلس، لأننا هناك كنا عابرين، ونحن هنا باقون، لأَننا الأصل، ولأَننا أصحاب الأَرض وأصحاب الحق.
وأشار د. حنون أن هذه هي القدس التي يعملون على مسحها وسلخها من أصولها العربية وتغيير معالمها، على مرأى ومسمع من العالم المتحضر، وعلى مرأى ومسمع من مؤسساته الديمقراطية التي تزعم أنها عين ساهرة تحرس حقوق الإنسان، وترفض إجراءات التغيير والتدمير في أرض محتلة.

وأوضح أن جامعة النجاح قد أدركت خطورة ما تتعرض له مدينة القدس ولما كان دورها هو دور المثقف الذي عليه واجب التنوير والدفاع عن الحقوق بما يملك من وسائل اتصال، فقد حملنا في جامعة النجاح الوطنية لواء الكلمة المدافعة عن حقنا العربي وهو واجب نراه حتمياً على كل مثقف لديه القدرة في الكتابة والبحث، ليكتشف الحقائق، ويبصر الناس أجمعين بما لنا وما علينا في مدينة القدس، ومن هنا جاء عقد هذه المؤتمرات التي تناولت موضوعات عدة عن مدينة القدس، بهدف جعل المدينة في بؤرة اهتمام المثقفين الفلسطينيين والعرب، على حد سواء.
ودعا د.حنون إلى كلمة سواء لنصرة القدس والدفاع عن حقوقنا فيها، لتعود القدس إلى مكانها الطبيعي ومكانتها المرموقة، عاصمة لفلسطين بخاصة ولكل الأحرار في العالم بعامة وهنا لابد من أن أوجه التحية والتقدير إلى النواب المقدسيين الذين يخوضون معركة البقاء على أرض القدس، ويرفضون سياسة الإبعاد والإقصاء والشكر إلى الباحثين المشاركين في هذا المؤتمر الذين نأمل منهم أن يخرجوا بتوصيات علمية وعملية يمكن تطبيقها على أرض الواقع للدفاع عن مدينة القدس.
وفي ختام كلمته وجه التحية كذلك إلى الحاضرين الذين جاءوا اليوم من أجل القدس ولنصرة القدس، وأَختم بتوجيه الشكر للجنة التحضيرية التي أعدت وخططت لعقد هذا المؤتمر والمؤتمرات السابقة ولشركة جوال راعية مؤتمر القدس.
كما ألقى السيد تيسير نصر الله كلمة اللواء جبرين البكري، محافظ نابلس رحب فيها بالقادمين من مدينة القدس عاصمة دولة فلسطين، وقال إن انعقاد هذا المؤتمر في جامعة النجاح الوطنية يؤكد على أهمية القدس الدينية والسياسية والتاريخية وأنها جزء لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني وان لا سلام ولا استقرار بدونها.
وتطرق كذلك إلى السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني من خلال الإجراءات التي يمارسها الاحتلال على الأرض والإنسان في المدينة المقدسة والمتمثلة بسياسات هدم البيوت والحفريات تحت المسجد الأقصى وطرد السكان المقدسيين وسحب هوياتهم.
وطالب نصر الله بتوفير حماية عربية ودولية لمدينة القدس ووضع استراتيجيات واضحة المعالم تهدف إلى حماية المدينة وإعادتها إلى مكانتها التي يجب أن تكون فيها ووجه رسالة إلى العرب الذين انشئوا صندوق القدس يدعوهم فيها إلى توفير الدعم لهذا الصندوق الذي من خلاله يتم دعم المواطنين في بيوتهم ومدينتهم.

وبعد ذلك ألقى المهندس عدنان الحسيني، محافظ القدس كلمة بدأها بتوجيه الشكر لإدارة جامعة النجاح الوطنية لما تقوم به من دور ريادي في تعليم أبناء الشعب الفلسطيني وقال إننا نفخر بهذا الصرح العلمي الشامخ، ثم تحدث بشكل عام عن الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها أبناء الشعب الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة والإجراءات الإسرائيلية المنظمة التي تمارس ضدهم بمختلف الوسائل، وقال إن إسرائيل تريد أن تقصي سكان القدس عن مدينتهم كما أن المستوطنين يشاركون بهذه الحملة حيث يقومون بمسح أسماء الشوارع والأحياء العربية ويضعون مكانها أسماء يهودية عبرية.
وتطرق إلى وضع الاستيطان في المدينة حيت أكد أن مدينة القدس يقع فيها ستة وعشرون مستوطنة جميعها مقامة على أراض فلسطينية استولت عليها إسرائيل بالقوة، كما تناول م. الحسيني الوضع الصعب الذي يعيشه الفلسطينيون عند محاولاتهم بناء منازل لهم في المدينة حيث كشف أن 13% فقط من مساحة القدس الشرقية يسمح للفلسطينيين البناء فيها وما عدا ذلك فهو ممنوع عليهم بحجة تحويل الأراضي إلى حدائق خضراء، وأشار كذلك إلى أن ما يزيد عن خمسين ألف بيت عربي في مدينة القدس تحاول إسرائيل أن تهدم نحو سبعة عشر ألف بيت منها بحجة البناء بغير ترخيص.
كما تطرق إلى الحرب الثقافية التي تمارسها جماعات يهودية في المدينة من حيث تغيير للمصطلحات داخل أحياء المدينة إلى محاولة إضفاء الطابع اليهودي على المدينة. وفي ختام كلمته دعا إلى دعم المقدسيين الصامدين في مدينتهم.
وتناول الدكتور حسن خاطر، الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس في كلمته التي ألقاها الوضع الإسلامي والمسيحي لمدينة القدس وقال: إن مكانة مدينة القدس الإسلامية برزت منذ آلاف السنين وقد جسدت حادثة الإسراء والمعراج مكانة القدس لدى المسلمين، كما حمل العرب والمسلمين مسؤولية ما تتعرض له مدينة القدس وما تعانيه من إجراءات تهويديه على أيدي الجماعات اليهودية، وتساءل د. خاطر عن دور ثلثي سكان الكرة الأرضية وهم المسلمون والمسيحيون في الدفاع عن مدينة القدس.

أما الأب جورج عواد فألقى كلمة وجه فيها تحية القدس الشريف إلى المشاركين في المؤتمر والحضور والعالم وقال: القدس عروس العروبة، وعبق التاريخ، وأنفاس السيد المسيح له المجد وآثاره وموطئ قدميه ونضاله ضد الشر. وعملية فدائه لتحرير الإنسان، وباب صعوده إلى السماء، القدس حامية فلسطين، ومصدر بركتها وعزتها، وهي بكل ما فيها من تراب وحجارة وأبنية وأزقة كلها مقدس، وكلها مقدسات وعلينا حمايتها".
وأضاف أن القدس هي التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل فعلينا أن نعطيها جميع الإمكانيات، فهي مصدر العطاء والتضحية هذا من الجانب التاريخي أما من الجانب الديني فهي ذات مكانة خاصة عند المسلمين، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين إليها تشد الرحال وهذا أمر من النبي عليه السلام يحث المسلمين في كل بقاع الأرض إن كانوا فلسطينيين أو عرب وغيرهم أن يحافظوا على القدس وأن يهبوا لنصرتها ومنها عرج النبي محمد إلى السموات العلى فهي مقدسة عند المسلمين ولا يقل هذا في المسيحية وعند المسيحيين فالمسيح عليه السلام ألقى معظم تعاليمه في القدس وكانت صلاته واجتماعاته مع تلاميذه في القدس وتحديداً في جبل الزيتون والجسمانية، أو لم يصلب المسيح فيها ودفن فيها وصعد إلى السماء منها.
وتابع إذن القدس في عقيدتنا المسيحية والإسلامية هي القلب النابض للعقيدة الدينية فهي مهد الديانات، أي فيها ترأف الله على الإنسان وأعلنت حريته وهي باب السماء، ألم يكن الله قادرا أن يصنع معجزة المعراج من مكان آخر وكذلك صعود المسيح، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعطي إشارة أن القدس مدينة سماوية وأرضية معا.
وختم الأب عواد كلمته بالقول إن القدس عاصمة دولتنا الفلسطينية وعاصمتنا الدينية لأنها محور عقيدتنا وموطنها، وهذا شرف كبير لنا، فهي بالنسبة لنا في فلسطين خاصة مسلمين ومسيحيين هي محور عقيدتنا، فهي عاصمتنا الدينية ولهذا فهي أمانة في أعناقنا، وهي عاصمة دولتنا الفلسطينية نحن مواطنين، والقدس وطننا وواجب على كل المسلمين والمسيحيين في كل أقطار العالم نصرتنا لأننا شعب نريد العيش بحرية في أوطاننا.
أما كلمة راعي المؤتمر فألقاها السيد عماد اللحام، مدير إدارة العناية بالزبائن في شركة جوال، قال فيها: إن من يدرس الأماكن المقدسة في مدينة القدس الشريف يتعرف على تاريخ المنطقة سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية فهي المرآة التي عكست حضارة الشعوب التي أمّتها على مر العصور، وأضاف أن مدينة القدس ممتلئة بالمباني الإسلامية من مساجد ومدارس وزوايا والعديد من المباني التي ذكرت في كتب التاريخ وقد زالت معالمها.

وأضاف أن رعاية شركة جوال لهذا المؤتمر تأتي من منطلق اهتمام الشركة بالتواصل مع الجامعات الفلسطينية ورعاية النشاطات والمؤتمرات، وتطرق إلى مشروع "أنا جوال" الذي يقوم على أساس تدريب طلبة من الجامعات وهم على مقاعد الدراسة لتحويل دراستهم النظرية إلى أرض الواقع. وفي ختام كلمته شكر جامعة النجاح الوطنية على تنظيم هذا المؤتمر.
واشتمل المؤتمر على ثلاثة جلسات كان رئيس الجلسة الأولى الدكتور حسن خاطر قدم خلالها د. مشهور مشاهرة، ورقة عمل بعنوان "صورة القدس في الأدب الفلسطيني الصامت"، كما قدم الشيخ أحمد شوباش ورقة عمل حول الموقف الإسلامي من القدس بين الواقع والمأمول، وفي ذات الجلسة ألقى الدكتور محمد دياب أبو صالح ورقة عمل " تجليات القدس وتعيينات الهوية في الشعر الفلسطيني المعاصر"، وختم الجلسة الأولى للمؤتمر الدكتور إبراهيم نمر موسى بورقة عمل تناولت موضوع "القدس في الفكر العربي الإسلامي".
أما جلسة العمل الثانية في المؤتمر فقد ترأسها الدكتور أكرم داود وتحدث فيها أ.د. عادل الأسطة عن موضوع" القدس في روايات عربية معاصرة"، فيما قدم أ. عباس نمر ورقة عمل عرض فيها موضوع " مدينة القدس في قلب صحيفة القدس 2009"، ثم قدم الدكتور إدريس جرادات ورقة عمل بعنوان "العادات والتقاليد العريقة في القدس العتيقة"، ثم تناول الدكتور عبد الخالق عيسى في ورقة عمل له موضوع "بيت المقدس في الضمير المسيحي"، في حين قدم الدكتور رائد عبد الرحيم ورقة عمل بعنوان "الرحلة السامية إلى الإسكندرية ومصر والحجاز والديار الشامية"، وكان المتحدث الأخير في الجلسة الثانية الدكتور نادر قاسم حيث قدم ورقة عمل بعنوان "حضور القدس في الكتابة التناصية عند سميح قاسم".

أما جلسة العمل الثالثة فقد ترأسها أ. موسى أبو دية وضمت عددا من المتحدثين منهم أ. عمر عبد الرحمن نمر ورقة عمل بعنوان "القدس في منهاج اللغة العربية"، وقدم الدكتور عماد البشتاوي وأ. باسم احشيش ورقة عمل مشتركة بعنوان" المملكة المغربية والقدس"، وختمت الجلسة بورقة عمل أ. نواف العامر وهي بعنوان "القدس في وسائل الإعلام".
وعلى هامش أعمال المؤتمر تم تنظيم معرض صور ضم أكثر من مئة وخمسين صورة تتحدث عن مدينة القدس بمختلف جوانب الحياة فيها. كما شاركت جوقة جامعة النجاح الوطنية في أعمال المؤتمر وقدمت عرضا فنيا موسيقيا عن مدينة القدس.