الطالبة ياسمين نجار..تحدّت الإعاقة لتتسلق أعلى قمّة بركانية في العالم
تقرير: محمد جودالله _ دائرة العلاقات العامّة
طفلة في عمر الزهور لم تبلغ الثالثة من العمر، تلعب في فناء منزل جدّها رفقة إخوتها وأقاربها، تصادم في الشارع يحدث بين حافلة وشاحنة، إنتقلت تبعاته إلى فناء ذلك المنزل لتخسر تلك الطفلة في ذلك اليوم الحزين ساقها اليمنى.
تلك الطفلة باتت اليوم طالبةً في جامعة النجاح الوطنية تشكّل نموذجاً للكفاح والتحدي في تسلق أعلى قمم النجاح والتميز.
الطالبة ياسمين مصطفى وليد نجار، طالبة سنة ثانية في تخصص علم النفس في جامعة النجاح الوطنية، إستطاعت ورغم فقدانها لساقها اليمنى أن تتسلق قمة جبل كيليمانجارو في دولة تنزانيا الأفريقية، التي تعتبر أعلى قمة بركانية في العالم بإرتفاع 5895 متراً، كما تعتبر ياسمين أصغر فائزة بجائزة النساء المنجزات في إيطاليا لعام 2015.
أن تفقد شيئاً وأنت في عمر صغير لاشك في أنه سيغير مجرى حياتك، ولكن ليس عند ياسمين التي رأت في هذا النقص فرصة للتميز والإبداع، عاشت طفولة صاخبة على حد تعبيرها وكانت تحب اللعب مع الأولاد، "ما دمت قادرة على فعل الشيء لماذا لا أفعله" بتلك العبارة مارست ياسمين حياة طفولية طبيعية رفقة عائلتها وأصدقائها وزملائها في المدرسة.
بعد الحادث ورغم فقدان ساقها بعد فوات الأوان، وضعت ياسمين طرفاً صناعياً يساعدها، نشاطها الكبير وحبها للعب جعل الأطفال الآخرين يندمجون معها دون شعورهم بأي فرق.
من أكثر القصص التي لازلت تتذكرها ياسمين حتى الآن ورغم مرور السنين، هي قصة معلمة الرياضة في الصف الرابع الإبتدائي التي كانت تمنع ياسمين من اللعب في الحصة وتطلب منها الجلوس جانباً، لم تدري تلك المعلمة أن الطفلة الصغيرة (العاجزة من وجهة نظرها) سترفع في يوم من الأيام علم فلسطين على سطع أعلى قمة بركانية في العالم.
وقع الحادث أمام عائلتها مما شكل مشكلة في التعامل مع الموضوع وكان الأمر في غاية الصعوبة، في بداية الأمر عاش الأهل الصدمة تماماً كما عاشتها الطفلة، لكنهم سرعان ما تحولوا لأكبر مصدر دعم في حياتها.
ياسمين ترى أن كل فردٍ في عائلتها يدعمها على طريقته " والدي يشجعني على الإندماج مع المجتمع، والدتي تعطيني طاقة إيجابية، أخي الصغير حمزة إبن السابعة أكثر من يعطيني الطاقة في المنزل"
كما لا تنسى ياسمين دور العائلة الكبير من أب وأم واخوة وأخوات طوال فترة تلقيها العلاج منذ وقوع الحادث للإنخراط بالحياة وتحقيق طموحاتها.
عندما كانت ياسمين في العاشرة منعها الإحتلال من دخول القدس لتلقي العلاج وإستبدال الطرف الصناعي، وفي نفس العام تعرّفت ياسمين على جمعية (إغاثة أطفال فلسطين)، حيث ساعدتها الجمعية على السفر لتلقي العلاج في عدّة دول كالولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة والأردن.
وجاءت فكرة تسلق قمة كيليمانجارو من سوزان الهوبي، إحدى متطوعي جمعية إغاثة أطفال فلسطين، وأول عربية تتسلق قمة جبل افرست التي رأت في ياسمين الشخص المناسب لتسلق القمة لما تمتلكه من إرادة وطموح.
رغم أنها دخلت في برنامج تدريبي لتهيأتها قبل عام من التسلق، إلا أن ياسمين بدأت تعاني من آلام قبل موعد التسلق بأيام، وعندما راجعت أطباءها نصحوها ألا تتسلق القمة لأنها كانت تعاني من مشاكل في عظام طرفها الأيمن.
" كنت أحلم بتحقيق شيء يغير نظرة المجتمع لذوي الاحتياجات الخاصة، كما حلمت أن أرفع علم فلسطين على القمة، لا يكفيني الرجوع ولا يحقق حلمي إلا الوصول إلى القمة، إعتبرت نفسي لم أسمع ما قاله الأطباء..لم أسمع لأحد"، بهذه الإرادة الفولاذية لم تمنع نصائح الأطباء ياسمين من مواصلة حلمها في الوصول إلى القمة.
إستمرت الرحلة ثمانية أيام، ستة أيام صعوداً ويومين نزولاً، كل شيء أخبر به الأطباء ياسمين قد حصل، آلام شديدة وتمزق بالجلد، كانت ياسمين تجري إسعافات أولية لساقها كل ساعتين، درجة الحرارة في بعض المناطق كانت تصل الى 20 درجة مئوية تحت الصفر، ونسبة الأكسجين تبلغ نصف النسبة في الوضع الطبيعي، كان يستمر المشي في بعض تلك الايام ل17 ساعة.
ورغم كل تلك الظروف الصعبة إستطاعت ياسمين أن تكمل رحلتها للقمة بنجاح وكان السر وراء ذلك " شعرت بمسؤولية كبيرة لأني أحمل حلم شعب كاملٍ، وهذا الحلم لا يكتمل إلا بالوصول إلى القمة".
" في يوم الوصول للقمة خرجنا من المخيم للصعود الساعة الواحدة صباحاً، وبعد 15 ساعة من الصعود وصلنا للقمة، في تلك اللحظة إنتابتني مشاعر متضاربة، بكيت وفرحت وصرخت ورفعت علم فلسطين، تذكرت كلمة الرئيس الفلسطين الراحل ياسر عرفات رحمه الله حين قال (سترفع زهرة من زهرات فلسطين علم فلسطين عالياً على كنائس القدس ومساجد القدس)"
بعد إنجازها الكبير، فازت ياسمين نجار في العام 2015 بالجائزة الدولية للنساء المنجزات في إيطاليا وهي لا تزال في ال19 من العمر لتكون بذلك أصغر إمرأة تفوز بالجائزة الدولية على الإطلاق.
نظّمت جامعة النجاح الوطنية مؤخراً مؤتمرTEDx العالمي، وهو مؤتمر يهدف إلى مشاركة أفكار تستحق النشر يقدّمها مجموعة من الرياديين في مجالات مختلفة، ويتم عادةً إختيار عدد من الشخصيات الناجحة للحديث عن تجاربهم، وتم إختيار ياسمين كواحدة من بين سبعة متحدثين آخرين في الفعالية، حيث تحدّثت عن تجربتها الشخصية لتكون مصدر إلهامٍ لزملائها وأقرانها.
وفي هذا السياق تقول ياسمين " أفتخر بجامعتي التي أعطتني الفرصة والتي تشجع دائماً الشباب على التطور وإظهار ما لديهم من قدرات، وليكونوا مصدر إلهام لغيرهم".
أن تتسلق أعلى قمة بركانية في العالم تكون قد حققت إنجازاً، ولكن أن تتسلقها بطرفٍ صناعي فهذا يتعدى الإنجاز، بإرادتها القوية وطموحها اللا محدود تعدت الإنجاز، لتكون ياسمين نجار نموذجاً بل مصدر إلهامٍ لكل من يقبالها أو يقرأ عنها..وأنا أولهم.